|
وقفة حساب
مع عام مضى
أخي
المسلم ، ها قد مضى عام جديد على عمرك ، وعمرك ما
هو إلا ساعات وأيام وشهور ثم سنة ثم موت ثم بعث ثم
حساب إما إلى الجنة وإما إلى النار ولا حول ولا
قوة إلا بالله .
ونحن نفرح بالأيام نقضيها ، ولا نعمل
حساب لهذه الأيام التي هي من أعمارنا .
يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم - :
((الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز
من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ) رواه
البيهقي والترمذي وابن ماجه.
الكيس : العاقل ، المدرك للأمور .
دان نفسه : حاسبها ،
كان الصالحون يحاسبون أنفسهم على أعمال
التي يقومون بها .
كثير منهم عندما يأتي إلى فراشه لكي ينام
: يحاسب نفسه على الأعمال التي قام بها طوال هذا
اليوم الذي انقضى ، فإن كان خيرا شكر الله على ذلك
، وإن كان غير ذلك استغفر الله وعاهده على أن يكون
في الغد خير من اليوم الذي وضى .
ومن دعاء الرسول – صلى الله عليه وسلم -
: ( اللهم اجعل يومنا خير من أمسنا ، وغدنا خيرمن
يومنا ) .
ويقول الرسول –
صلى الله عليه وسلم - : (( حاسبوا أنفسكم قبل أن
تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا
للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم"
وهذا مصداقا
لقول الله عز وجل: { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا
تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } (الحاقة:18)، أي
تعرضون على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه
شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر
والضمائر.
فمحاسبة النفس
أمر ضروري يعود بالنفع على صاحبه في الدنيا
والآخرة، وهكذا كان هدي السلف الأبرار، والسابقين
الأخيار، فهذا الحسن البصري يقول : "إن العبد لا
يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة
من همته".
وكان يقول –
رحمه الله تعالى - : إن كل يوم تطلع فيه الشمس ،
تقول أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني
لا أعود إلى يوم القيامة ) .
وقال ميمون بن
مهران : "لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد
محاسبة من الشريك لشريكه"، ولهذا قيل : النفس
كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك .
وقال ميمون أيضا : "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من
سلطان عاص، ومن شريك شحيح" .
وذكر الإمام
أحمد عن وهب قال : مكتوب في حكمة آل داود : "حق
على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي
فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها
مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه،
وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل
ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات،
وإجماما للقلوب".
وقال مالك بن
دينار : رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا
؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها
كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا.
فالذي ينبغي
على المؤمن العاقل أن يحاسب النفس ويشارطها على
حفظ جوارحه: العين، والأذن، والفم، واللسان،
والفرج، واليد، والرجل، ثم مطالعتها والإشراف
عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة
رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال
تمادت في الخيانة حتى تذهب رأس المال كله، فمتى
أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له
حقيقة الربح والخسران، فإذا أحس بالخسران وتيقنه
إستدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه : من
الرجوع عليه بما مضى .
وما أحوجنا
اليوم إلى المحاسبة، ونحن في زمن كثرت فيه دواعي
الشهوات، وتعددت المغريات، وتنوعت الملهيات،
فالأمر جد أيها الأخوة الكرام، فلا بد من الحزم
والإقدام، وقبل الرحيل وفوات الأوان. |